الشيخ الطبرسي

55

تفسير مجمع البيان

الذي يستحق العبادة ( وسع كل شئ علما ) أي : يعلم كل شئ علما تاما ، وهي لفظة عجيبة في الفصاحة . وفي ذلك دلالة على أن المعدوم يسمى شيئا لكونه معلوما . ثم قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ) أي : مثل ما قصصنا عليك يا محمد من نبأ موسى وقومه ، نقص عليك من أخبار ما قد مضى وتقدم من الأمم والأمور ( وقد أتيناك من لدنا ذكرا ) يعني القرآن ، لأن فيه ذكر كل ما يحتاج إليه من أمور الدين . ثم أوعد سبحانه على الإعراض عنه ، وترك الإيمان به فقال : ( من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا ) أي : حملا ثقيلا من الإثم يشق عليه حمله ، لما فيه من العقوبة ، كما يشق حمل الثقيل ( خالدين فيه ) أي : في عذاب ذلك الوزر وجزائه ، وهو الخلود في النار ( وساء لهم يوم القيامة حملا ) تقديره ساء الحمل حملا ، والحمل بمعنى المحمول أي : بئس الوزر هذا الوزر لهم يوم القيامة . قال الكلبي : بئس ما حملوا على أنفسهم من المآثم كفرهم بالقرآن ( يوم ينفخ في الصور ) هو بدل من يوم القيامة وقد سبق معناه ( ونحشر المجرمين يومئذ زرقا ) قال ابن عباس : يريد بالمجرمين الذين اتخذوا مع الله إلها يحشرون زرق العيون ، سود الوجوه . ومعنى الزرقة . الخضرة في سواد العيون كعين السنور . والمعنى في هذا تشويه الخلق . وقيل : زرقا عميا ترى زرقا وهي عمي ، عن الفراء . وقيل : عطاشا في مظهر عيونهم كالزرقة مثل قوله ( ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ) عن الأزهري ( يتخافتون بينهم ) أي : يتسارون بينهم فيقول المجرمون بعضهم لبعض : ( إن لبثتم إلا عشرا ) أي : ما لبثتم إلا عشر ليال ، عن ابن عباس وقتادة . يعني من النفخة الأولى إلى الثانية ، وذلك أنه يكف عنهم العذاب فيما بين النفختين ، وهو أربعون سنة . وقيل : ما لبثتم في الدنيا . ينسون من شدة هول ذلك اليوم مدة لبثهم في الدنيا . وقيل : في القبر يذهب عنهم طول لبثهم في قبورهم ، كأنهم كانوا نياما فانتبهوا . وقيل : إنهم يقللون لبثهم في الدنيا طول ما هم لابثون فيه من النار ، عن الحسن . ثم قال سبحانه : ( نحن أعلم بما يقولون ) أي : بما يتسارون بينهم ( إذ يقول أمثلهم طريقة ) أي : أصلحهم طريقة ، وأوفرهم عقلا ، وأصوبهم رأيا . وقيل : أكثرهم سدادا عند نفسه ( إن لبثتم إلا يوما ) أي : ما لبثتم إلا يوما في الدنيا ، وفي القبور . إنما قال ذلك لأن اليوم الواحد والعشرة إذا قوبلت بيوم القيامة ، وما لهم من